fbpx
Menu

التدقيق الداخلي محرك رئيسي لتطوير المؤسسة … وليس خط دفاع عنها فقط

Internal Audit: Main Driver, Rather than Just a Defense Line, for Corporate Development

لو تم طرح سؤال عام على الإدارة العليا ومجلس الإدارة ما الدور الذي يلعبه التدقيق الداخلي في المؤسسة؟ …. بالتأكيد ستكون أغلب الإجابات بأنه خط الدفاع الذي يعمل على حماية أصول المؤسسة واكتشاف نقاط الضعف في الرقابة الداخلية، إلا أن هذه النظرة السائدة عن التدقيق الداخلي غير صحيحه وبحاجه إلى توضيح أكثر من المهنيين المعنيين بمهنة التدقيق الداخلي لكي يعكسوا الدور الصحيح للتدقيق الداخلي الذي اضحى شريك رئيسي في المضي قدماً مع الإدارة العليا لتطوير المؤسسة ومساعدتها على تحقيق أهدافها كما أن التغيرات الأخيرة على الاطار المهني الدولي لممارسة مهنة التدقيق الداخلي تؤكد صحة هذا الشيء وبالأخص المبادئ التي تم تبنيها والمتعلقة بأن يكون التدقيق الداخلي ذو بصيرة ومبادر وذو نظرة مستقبلية ويدعم تطوير وتحسين المؤسسة. إلا أن هناك بعض التناقضات التي تستدعي منا كممارسين لمهنة التدقيق الداخلي أن نكون على وعي بها.

إضافة قيمة أم حماية المؤسسة؟
يعرف التدقيق الداخلي على أنه “نشاط مستقل وموضوعي، يقدم تأكيدات وخدمات استشارية بهدف إضافة قيمة للمؤسسة وتحسين عملياتها. ويساعد هذا النشاط في تحقيق أهداف المؤسسة من خلال اتباع أسلوب منهجي منظم لتقييم وتحسين فاعلية عمليات الحوكمة وإدارة المخاطر و الرقابة.” فالتعريف حدد بشكل واضح هدفين للتدقيق الداخلي وهما إضافة قيمه للمؤسسة ثانيا تحسين عملياتها فهل إضافة القيمة للمؤسسة تقتصر على تحديد الفجوات الرقابية و وضع توصيات لتحسينها أم تتعدى ذلك من خلال تحديد المجالات التطويرية للمؤسسة والتي تتطلب تفكير استراتيجي عند المدقق وبصيرة وبعد نظر في شأن المؤسسة للأحداث المتوقعة التي قد تؤثر في اتخاذ قرارات مستقبليه من شأنها تطوير أداء المؤسسة.

من وجهة نظر أخرى، قام معهد المدققين الداخليين بوضع رساله للتدقيق الداخلي حيث نصت الرسالة على ” تعزيز وحماية المؤسسة من خلال تقديم التوكيد والمشورة و البصيرة الموضوعية المستندة على المخاطر لأصحاب المصلحة”. فالرسالة إلى حد ما قد تتعارض بشكل واضح مع هدف التدقيق الداخلي والمبادئ التي تم تبينها والمتعلقة بأن يكون التدقيق الداخلي ذو بصيرة ومبادر وذو نظرة مستقبلية ويدعم تطوير وتحسين المؤسسة.

تطوير وتحسين المؤسسة جزء من تعريف التدقيق الداخلي
لو نظرنا مره أخرى إلى تعريف التدقيق الداخلي سنلاحظ أيضا انه وضع مهمة واضحه على التدقيق الداخلي تتعلق بتحسين عمليات المؤسسة والسؤال الذي يطرح نفسه هل هذا التعريف اقتصر على تحسين العمليات من خلال تحديد مجال الضعف في الرقابة و إدارة المخاطر والحوكمة فقط أم تحسين كافة العمليات التي تتعدى ذلك. فهدف الحوكمه المؤسسية في النهاية هو تحسين الأداء كما أن أحد أهداف إدارة المخاطر هو إدارة موارد المؤسسية واستغلالها. والسؤال هنا، هل تقييم الرقابة وإدارة المخاطر والحوكمة تلبي المبادئ التي تم تبنيها المتعلقة بالبصيرة والنظرة المستقبلية وتطوير وتحسين المؤسسة؟

إدارة المخاطر تتطلب التعامل مع كل من الخطر والفرصة
يعرف معهد التدقيق الداخلي الخطر على انه ” إمكانية وقوع حدث يكون له اثر على تحقيق أهداف المؤسسة.” ونحن نعرف بأن إدارة المخاطر تتعامل مع الأحداث غير المؤكدة وأن الخطر ليس بالغالب شيء يؤدي إلى الضرر، فقد تكون الأحداث غير المؤكدة إيجابية وتمنح فرص للمؤسسة وبالتالي يجب التعامل مع هذه الأحداث سواء كانت خطر أو فرصة
تتبع الكثير من إدارات التدقيق الداخلي بناء خطة تدقيق مبنيه على تقييم المخاطر، إلا أن هذه الطريقة تتجاهل الفرص التي تعتبر الجانب الجوهري الذي يمكن من خلاله إضافة قيمه كبيرة للمؤسسة. من جانب أخر، لو تم تقييم برامج التدقيق التي يتم إعدادها من قبل المدققين سنلاحظ بأنها على الأغلب تخلو من إجراء يتعلق بتحديد فرص التحسين الممكنة سواء كانت إدارية أو ماليه كما أنها قد تخلو أيضا من ربط أهداف التدقيق بأهداف المؤسسة وهذا مؤشر بأن مهمة التدقيق الداخلي قد لا تتوافق مع ما تطمح له المؤسسة

نموذج خطوط الدفاع الثلاثة، لماذا الدفاع فحين إن المؤسسة بحاجه إلى التقدم إلى الأمام؟
قد يزيد من حدة هذه التناقضات أن نموذج خطوط الدافع الثلاثة اكد على أن التدقيق الداخلي هو خط دفاع ثالث وتجاهل هدف التدقيق الداخلي والدور الذي تم الإشارة له ضمن تعريف التدقيق الداخلي، وعلى الرغم من تحفظي الشخصي على مسمى هذا النموذج حيث أنه ليس نموذج دفاع وإنما نموذج لتقديم توكيد كما أن الجهات التي تم الإشارة لها في الخط الثاني لا يقتصر عملها على الدفاع عن المؤسسة وإنما تطوير المؤسسة فعلى سبيل المثال ضمن المستوى الثاني تم الإشارة إلى الوظائف المتعلقة بالجودة والتي تعتبر أهم مهامها تطوير المؤسسة وليس الدفاع عنها وحمايتها، فهل يعقل أن كافه الأطراف في النموذج تعمل على الدفاع عن المؤسسة دون النظر إلى مستقبلها وتطويرها.

تغيير الثقافة جزء صعب يتطلب فكر ووعي لدى ممارسي المهنة
في بداية حياتي المهنية أذكر أول مهمة تدقيق قمت بها وقد يشاركني نفس التجربة العديد من المدققين حيث طُلب مني القيام بالتدقيق على مركز عمل وكنت أهدف خلال مهمة التدقيق إلى كتابة أكبر عدد من الملاحظات تتعلق بضعف الضوابط الرقابية وعدم الالتزام بإجراءات العمل…. ومع تطور التفكير المهني لدي أصبحت على وعي أن الالتزام بالإجراءات ليس هدف بحد ذاته فقد تكون الإجراءات التي تم وضعها لا تساعد في تحقق الأهداف التي تطمح لها المؤسسة فبدأت خلال مهام التدقيق بالنظر إلى ضرورة الالتزام وفي حال عدم الالتزام ما هي الإجراءات التي يمكن اتباعها لتطويرها … وبعد عدد من السنوات مع تطور مرحله اخرى من الفكر كان لابد من النظر لمستوى أعلى من الإجراءات فالنظر إلى استراتيجية المؤسسة ومدى تحقيق أهدافها الرئيسية كان ذا أثر أكبر عند الإدارة العليا والمشاركة في تقديم الاستشارات ذات البعد الاستراتيجي كان ذا أثر أكبر بكثير…. بالتأكيد أن المرحلة القادمة تتعدى ذلك حيث ركز معهد المدققين الداخليين ضمن المبادئ التي تبناها بان يكون التدقيق الداخلي ذو بصيره و ذو نظرة مستقبلية ومبادر ويدعم تطوير المؤسسة.

إن ثقافة التدقيق التي يتم تشكيلها لدى الإدارة العليا تعتمد على محتوى التقارير التي يتم رفعها فلو تطرقت التقارير إلى إضافة القيمة وتطوير المؤسسة لأصبح التدقيق الداخلي شريك استراتيجي مع الإدارة العليا في قيادة المؤسسة وليس العقبة– وهي النظرة السائدة عن التدقيق- التي تمنع الإدارة من السير إلى الأمام. كما يلعب مدراء التدقيق الداخلي دور مهم في إرشاد المدققين وتوعية الإدارة العليا عن الدور المنتظر من التدقيق الداخلي حتى يتحول من الدفاع إلى الهجوم.

تناقض المعايير مع المبادئ الجديدة للتدقيق الداخلي
تضمنت المبادئ التي تم تبنيها من قبل معهد التدقيق الداخلي أن يكون التدقيق الداخلي ذو بصيرة وذو نظرة مستقبلية ويدعم تطوير المؤسسة وجميعها تتطلب استخدام الحكم الشخصي والاجتهاد في إبداء الرأي في حين أن معايير التدقيق الداخلي بشكلها الحالي لا تساعد في تحقيق المبادئ التي تم تبنيها كما أن المعايير طلبت من المدقق أن يعتمد على معلومات كافيه ومناسبه وذات علاقة ومفيدة وهذا قد يعيق إبداء الرأي وأنا هنا لا اقصد المشاركة في إتخاذ القرارات بدلاً من الإدارة بل مشاركتهم اهتمامهم وتوقعاتهم المتعلقة بتطوير المؤسسة وتحسين أداءها من خلال طرح مبادرات ذات بعد استراتيجي وعدم الاقتصار على رفع التقارير ذات الطابع النقدي فقط. والمثير بالموضوع أن مسودة النسخة المعدلة للمعايير لم تراعي تغطية هذا الجانب فلماذا ذلك؟؟؟

الخلاصة
وفي نهاية هذا المقال، قد يخالفني الرأي المتحفظين الذين يرون أن مهنة التدقيق الداخلي يجب أن تبقى كما هي عليه وقد تلعب توقعات الإدارة العليا دور كبير في بقاء هذا الدور كما هو عليه. وقد يوافقني الرأي من يرى أن مهنة التدقيق الداخلي على أعتاب منحى جديد وتطور كبير قد يزيد من أهميتها وشموليتها في تطوير المؤسسة . وأخيراً، هذه أفكار تطرح العديد من التساؤلات لدينا بطريقة تستدعي منا عدم أخذ أي تطوير على الاطار المهني الدولي لممارسة مهنة التدقيق الداخلي كما هو بل النظر في محتواه بشكل أكثر تعمقاً.

كاتب المقالة الاستاذ/ أيمن عبدالرحيم (MQM,CIA,CCSA,CFE)
الكاتب مهتم بمشاركتكم بأي أفكار أخرى تتعلق بهذا المجال، يمكنكم مراسلته عبر البريد الإلكتروني الخاص به ayman.abdelrahim@outlook.com

هذه المقالة تم نشرها في مجلة التدقيق الداخلي الصادرة عن جمعية التدقيق الداخلي الأردنية – مارس 2016

icon-angle icon-bars icon-times انتقل إلى أعلى