تحليل مقارن بين القيمة العادلة والقيمة قيد الاستخدام وفقًا للمعايير الدولية للتقارير المالية

تحليل مقارن بين القيمة العادلة والقيمة قيد الاستخدام وفقًا للمعايير الدولية للتقارير المالية

تُعد أسس القياس المحاسبي من الركائز الجوهرية لإعداد البيانات المالية وفقًا للمعايير الدولية للتقارير المالية، إذ تؤثر بصورة مباشرة في موثوقية المعلومات المالية وملاءمتها لاتخاذ القرارات الاقتصادية. وتُحدد أسس ومفاهيم قياس القيمة العادلة بموجب المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 13، الذي يوفر إطارًا موحدًا لقياس القيمة العادلة والإفصاح عنها.

وفي ضوء فهم متطلبات هذا المعيار وتطبيقاته، يتضح الإطار الملائم لتطبيق متطلبات معيار المحاسبة الدولي رقم 36 والمعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9، ولا سيما فيما يتعلق بمفهومي القيمة العادلة والقيمة قيد الاستخدام. وعلى الرغم من أن كلا المفهومين يرتبط بقياس القيمة الاقتصادية للأصول، فإنهما يستندان إلى منهجيات وافتراضات مختلفة، الأمر الذي يستلزم فهمًا دقيقًا للفروقات بينهما وكيفية تطبيق كل منهما في السياق المناسب.

مفهوم القيمة العادلة وفقًا للمعيار الدولي للتقارير المالية رقم 13

يُعرّف المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 13 القيمة العادلة بأنها السعر الذي سيتم استلامه عند بيع أصل، أو دفعه عند نقل التزام، في معاملة منظمة بين المشاركين في السوق في تاريخ القياس. ويؤكد هذا التعريف أن القيمة العادلة تمثل قياسًا قائمًا على السوق، وليس قياسًا خاصًا بالمنشأة؛ أي أنها تعكس افتراضات المشاركين في السوق وليس تقديرات الإدارة وحدها.

ويعتمد قياس القيمة العادلة على تسلسل هرمي للمدخلات يتكون من ثلاثة مستويات رئيسية:

  1. المستوى الأول: أسعار معلنة في أسواق نشطة لأصول أو التزامات مماثلة.
  2. المستوى الثاني: مدخلات قابلة للملاحظة بشكل مباشر أو غير مباشر، بخلاف الأسعار المدرجة ضمن المستوى الأول.
  3. المستوى الثالث: مدخلات غير قابلة للملاحظة تعتمد على نماذج التقييم والتقديرات المهنية.

ويُستخدم مفهوم القيمة العادلة على نطاق واسع في تطبيق المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9، ولا سيما عند قياس الأدوات المالية المصنفة بالقيمة العادلة من خلال الربح أو الخسارة، أو بالقيمة العادلة من خلال الدخل الشامل الآخر. كما يمتد أثر هذا المفهوم إلى معيار المحاسبة الدولي رقم 36 عند تحديد القيمة العادلة ناقصًا تكاليف الاستبعاد ضمن اختبار انخفاض القيمة.

اقرأ المزيد حول: المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 13 القيمة العادلة

معيار المحاسبة الدولي رقم 36 واختبار انخفاض القيمة

يتطلب معيار المحاسبة الدولي رقم 36 من المنشأة تقييم ما إذا كان الأصل، أو وحدة توليد النقد، قد تعرض لانخفاض في القيمة، وذلك من خلال مقارنة قيمته الدفترية بقيمته القابلة للاسترداد. وتُعرف القيمة القابلة للاسترداد بأنها الأعلى بين:

  1. القيمة العادلة ناقصًا تكاليف الاستبعاد
  2. القيمة قيد الاستخدام.

وبناءً على ذلك، فإن اختبار انخفاض القيمة وفقًا لمعيار المحاسبة الدولي رقم 36 يتطلب النظر في مقياسين مختلفين: أحدهما قائم على السوق ويتمثل في القيمة العادلة ناقصًا تكاليف الاستبعاد، والآخر خاص بالمنشأة ويتمثل في القيمة قيد الاستخدام.

احصل علي استشارة متخصصة حول الاختبار في قيمة الأصول

وتمثل القيمة قيد الاستخدام القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية المتوقع الحصول عليها من الاستخدام المستمر للأصل، إضافة إلى التدفقات النقدية الناتجة عن استبعاده في نهاية عمره الإنتاجي. وتُعد هذه القيمة مقياسًا خاصًا بالمنشأة، إذ تعتمد على تقديرات الإدارة بشأن التدفقات النقدية المستقبلية، ومعدل الخصم المناسب، والافتراضات المرتبطة باستخدام الأصل ضمن عمليات المنشأة نفسها. ومن ثم، فإن القيمة قيد الاستخدام تعكس ظروف المنشأة واستراتيجيتها وتوقعاتها الداخلية، ولا تعكس بالضرورة افتراضات المشاركين في السوق.

وفي المقابل، تعكس القيمة العادلة ناقصًا تكاليف الاستبعاد المبلغ الذي يمكن الحصول عليه من بيع أصل أو وحدة توليد نقد في معاملة منظمة، بعد خصم التكاليف الإضافية المنسوبة مباشرة إلى عملية الاستبعاد. ويتم تحديد مكون القيمة العادلة بالرجوع إلى المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 13، الذي يوفر إطار القياس القائم على السوق، بينما يتطلب معيار المحاسبة الدولي رقم 36 خصم تكاليف الاستبعاد للوصول إلى القيمة القابلة للمقارنة ضمن اختبار انخفاض القيمة.

ومن الناحية العملية، قد يؤدي استخدام هذين المقياسين إلى نتائج مختلفة. فقد تكون القيمة قيد الاستخدام أعلى عندما تتوقع المنشأة تحقيق منافع اقتصادية من الاستخدام المستمر للأصل تفوق توقعات السوق. وفي حالات أخرى، قد تكون القيمة العادلة ناقصًا تكاليف الاستبعاد أعلى، خاصة عندما يكون بيع الأصل أو وحدة توليد النقد أكثر جدوى من الاحتفاظ به. ولا يتم الاعتراف بخسارة انخفاض القيمة إلا عندما تتجاوز القيمة الدفترية القيمة القابلة للاسترداد، والتي تمثل الأعلى بين هذين المقياسين.

المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 والأدوات المالية

يلعب المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 دورًا مهمًا في تطبيق مفهوم القيمة العادلة، إذ يحدد متطلبات تصنيف وقياس الأدوات المالية. وبموجب هذا المعيار، تُقاس الأصول المالية إما بالتكلفة المطفأة، أو بالقيمة العادلة من خلال الدخل الشامل الآخر، أو بالقيمة العادلة من خلال الربح أو الخسارة، وذلك استنادًا إلى نموذج الأعمال الذي تتبعه المنشأة في إدارة تلك الأصول، وخصائص التدفقات النقدية التعاقدية للأصل المالي.

كما تخضع الالتزامات المالية لمتطلبات قياس محددة بموجب المعيار ذاته، بما في ذلك القياس بالقيمة العادلة في بعض الحالات. وعندما يتطلب أو يسمح المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 بقياس أداة مالية بالقيمة العادلة، يتم الرجوع إلى المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 13 لتحديد كيفية قياس تلك القيمة.

ومن المهم التأكيد على أن المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 13 لا يحدد الأدوات أو البنود التي يجب قياسها بالقيمة العادلة، وإنما يوفر إطارًا لكيفية قياس القيمة العادلة متى ما تطلب معيار آخر، مثل المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9، استخدام هذا الأساس في القياس.

وبموجب هذا الإطار، يجب أن يعكس قياس القيمة العادلة للأدوات المالية الافتراضات التي سيستخدمها المشاركون في السوق عند تسعير الأداة في ظل ظروف السوق الحالية، بما في ذلك الافتراضات المتعلقة بالمخاطر. ومن الناحية العملية، قد يتم قياس القيمة العادلة باستخدام أسعار سوقية معلنة عند توافر أسواق نشطة، أو من خلال أساليب تقييم مناسبة عندما لا تكون الأسعار السوقية القابلة للملاحظة متاحة.

ويكتسب التسلسل الهرمي للقيمة العادلة أهمية خاصة في قياس الأدوات المالية، إذ يعطي الأولوية للمدخلات القابلة للملاحظة على المدخلات غير القابلة للملاحظة. وتتمثل مدخلات المستوى الأول في الأسعار المعلنة في أسواق نشطة، بينما تشمل مدخلات المستوى الثاني مدخلات أخرى قابلة للملاحظة، في حين تعتمد مدخلات المستوى الثالث على نماذج تقييم وتقديرات مهنية جوهرية.

ورغم أن المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 لا يستخدم مفهوم القيمة قيد الاستخدام، فإنه يتضمن متطلبات خاصة بانخفاض قيمة الأصول المالية من خلال نموذج الخسائر الائتمانية المتوقعة. وينطبق هذا النموذج على الأصول المالية المقاسة بالتكلفة المطفأة وبعض الأصول المالية المقاسة بالقيمة العادلة من خلال الدخل الشامل الآخر. وتعتمد هذه المتطلبات على معلومات مستقبلية وتقييمات لمخاطر الائتمان، إلا أنها تختلف عن مفهوم القيمة قيد الاستخدام بموجب معيار المحاسبة الدولي رقم 36، كما تختلف عن قياس القيمة العادلة بموجب المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 13، لأنها تهدف إلى قياس الخسائر الائتمانية المتوقعة وليس سعر الخروج القائم على السوق.

اقرأ المزيد حول: هل يعد اختبار الانخفاض في القيمة للأصول مطلب إلزامي سنوي ؟

التحديات العملية والتطبيقية

تواجه كيانات الأعمال تحديات متعددة عند تطبيق مفهومي القيمة العادلة والقيمة قيد الاستخدام، ولا سيما في البيئات التي تفتقر إلى أسواق نشطة أو بيانات سوقية كافية. ففي مثل هذه الحالات، يصبح استخدام نماذج تقييم معقدة أمرًا ضروريًا، مما يزيد من أهمية الحكم المهني وجودة الافتراضات المستخدمة.

كما أن الاعتماد على تقديرات الإدارة عند تحديد القيمة قيد الاستخدام قد يؤدي إلى اختلافات جوهرية بين المنشآت، حتى عند تقييم أصول متشابهة، الأمر الذي قد يؤثر في قابلية المقارنة بين البيانات المالية. وفي المقابل، قد تتأثر القيمة العادلة بتقلبات السوق، ومستوى توافر المدخلات القابلة للملاحظة، ودرجة الاعتماد على نماذج التقييم.

لذلك، يتطلب التطبيق السليم لهذه المفاهيم مستوى عاليًا من الحكم المهني، إلى جانب الإفصاح الكافي عن المنهجيات والافتراضات ومصادر البيانات المستخدمة في القياس. ويسهم الإفصاح الشفاف في تعزيز ثقة مستخدمي البيانات المالية، ويمكنهم من فهم طبيعة التقديرات ومدى حساسيتها للتغيرات في الافتراضات الرئيسية.

الخلاصة

تمثل كل من القيمة العادلة والقيمة قيد الاستخدام أداتين أساسيتين ضمن إطار القياس المحاسبي في المعايير الدولية للتقارير المالية، إلا أن لكل منهما هدفًا ومنظورًا مختلفًا. فالقيمة العادلة تعكس منظور السوق وسعر الخروج في معاملة منظمة بين المشاركين في السوق، بينما تعكس القيمة قيد الاستخدام منظور المنشأة والقيمة الحالية للتدفقات النقدية المتوقعة من الاستخدام المستمر للأصل.

ويُعد الفهم الدقيق للفروقات بين هذين المفهومين أمرًا بالغ الأهمية للمحاسبين ومراقبي الحسابات وصناع القرار، خاصة في ظل تعقيد البيئات الاقتصادية وتزايد الاعتماد على التقديرات والأحكام المهنية. ومن خلال التطبيق السليم للمعايير ذات الصلة، والإفصاح الواضح عن الافتراضات والمنهجيات المستخدمة، يمكن لكيانات الأعمال تحقيق توازن مناسب بين ملاءمة المعلومات المالية وموثوقيتها، بما يعزز جودة البيانات المالية ويدعم قرارات مستخدميها.

يمكنك مشاركة المقال مع أخرين من خلال قنوات التواصل التالية:

راسلنا
اتصل بنا