لماذا حظرت هيئة أسواق المال الأصول الافتراضية كأدوات استثمارية، وما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين ومقومي الأصول؟

لماذا حظرت هيئة أسواق المال الأصول الافتراضية كأدوات استثمارية، وما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين ومقومي الأصول؟

بين جاذبية الأصول الرقمية ومتطلبات الحماية الرقابية: كيف يتغير دور مقوم الأصول في بيئة استثمارية أكثر تحفظاً؟

تزايد الاهتمام خلال السنوات الأخيرة بالأصول الافتراضية والعملات المشفرة والرموز الرقمية، ليس فقط كوسيلة للتداول أو الدفع، بل أيضاً كأدوات محتملة للاستثمار أو المضاربة أو تنويع المحافظ. وقد رافق هذا الاهتمام خطاب تسويقي واسع يركز على سرعة النمو، وارتفاع العوائد المحتملة، وسهولة الوصول إلى الأسواق الرقمية العابرة للحدود.

ولكن هل يمكن التعامل مع أصل افتراضي شديد التقلب، غير مدعوم بجهة إصدار واضحة، ولا يخضع دائماً لرقابة مؤسسية كافية، باعتباره أداة استثمارية قابلة للتقييم بنفس منهجية تقييم الأصول التقليدية؟

في دولة الكويت، جاءت التوجهات الرقابية لتضع إجابة واضحة على هذا السؤال. فقد قررت هيئة أسواق المال، بموجب التعميم رقم 10 لسنة 2023، حظر استخدام الأصول الافتراضية كأداة أو وسيلة دفع أو كأداة استثمارية، وعدم الاعتراف بها كعملة لامركزية، ومنع منح تراخيص لتقديم خدمات الأصول الافتراضية كنشاط تجاري، إلى جانب حظر أنشطة تعدين العملات أو الأصول الافتراضية.

ولا ينبغي النظر إلى هذا الحظر باعتباره مجرد موقف تحفظي تجاه تقنية جديدة، بل باعتباره قراراً رقابياً يستند إلى اعتبارات أعمق تتعلق بحماية المستثمرين، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والحد من المضاربات غير المنظمة، وضمان سلامة السوق المالي.

احصل على استشارة متخصصة و تقييم متوافق مع معايير هيئة أسواق المال

من الحماس الرقمي إلى الانضباط الرقابي

تعاملت بعض الأسواق حول العالم مع الأصول الافتراضية بوصفها تطوراً طبيعياً في الأدوات المالية، بينما تعاملت أسواق أخرى معها بحذر أكبر بسبب طبيعتها المعقدة ومخاطرها المرتفعة. وفي الكويت، جاء التوجه الرقابي ليؤكد أن حماية النظام المالي والمستثمرين تسبق السماح بتداول أدوات قد يصعب تتبعها أو تقييمها أو ضبط مخاطرها.

فالأصول الافتراضية لا تمثل في كثير من الحالات مطالبة قانونية على مصدر معروف، ولا ترتبط دائماً بتدفقات نقدية متوقعة، ولا تمنح حاملها بالضرورة حقوقاً اقتصادية واضحة مثل الأرباح أو الفوائد أو الحصص في الأصول. كما أن أسعارها قد تتأثر بدرجة كبيرة بالمضاربة، والترويج الرقمي، والسيولة العابرة للمنصات، والتغيرات التنظيمية المفاجئة.

لماذا حظرت هيئة أسواق المال الأصول الافتراضية كأدوات استثمارية؟

لا يمكن اختزال قرار الحظر في سبب واحد. فالأصول الافتراضية تجمع بين مخاطر مالية، ورقابية، وتشغيلية، وقانونية، وتكنولوجية، تجعل استخدامها كأدوات استثمارية داخل السوق المنظم مسألة عالية الحساسية.

أول هذه الأسباب هو حماية المستثمرين من أدوات شديدة التقلب. فكثير من الأصول الافتراضية لا تستند إلى أساس مالي واضح يمكن تحليله، ولا ترتبط بتدفقات نقدية أو أصول ملموسة أو نموذج أعمال يمكن تقييمه بصورة تقليدية. وبذلك يصبح السعر في كثير من الأحيان انعكاساً للمضاربة وتوقعات السوق أكثر من كونه تعبيراً عن قيمة اقتصادية قابلة للقياس.

أما السبب الثاني فيتعلق بمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب. فطبيعة بعض الأصول الافتراضية، وإمكانية تداولها عبر منصات عابرة للحدود، وصعوبة تحديد الأطراف المستفيدة في بعض الحالات، كلها عوامل قد تزيد من مخاطر إساءة استخدامها في تحويل الأموال أو إخفاء مصدرها أو الالتفاف على الضوابط المالية.

ويتمثل السبب الثالث في غياب إطار ترخيص ورقابة محلي يسمح للجهات التنظيمية بمراقبة مزودي خدمات الأصول الافتراضية بنفس مستوى الرقابة المطبق على الأشخاص المرخص لهم والأنشطة الاستثمارية التقليدية. فالسوق المنظم لا يقوم فقط على وجود منتج مالي، بل يقوم على الإفصاح، والحوكمة، والرقابة، وإدارة المخاطر، وحماية أموال العملاء، ومكافحة تعارض المصالح.

أما السبب الرابع فيرتبط بصعوبة التقييم العادل. فالأصل الاستثماري القابل للتقييم يحتاج إلى بيانات موثوقة، وسوق نشط يمكن الاعتماد عليه، وآلية واضحة لتحديد السعر، وفهم قانوني للحقوق المرتبطة به. وفي حالة كثير من الأصول الافتراضية، قد تكون هذه العناصر غير مكتملة أو غير مستقرة.

وبذلك، فإن الحظر يعكس توجهاً رقابياً يهدف إلى منع إدخال أدوات عالية المخاطر إلى البيئة الاستثمارية المنظمة قبل توافر الضوابط الكافية للتعامل معها.

ماذا يعني ذلك لكيانات الأعمال والمستثمرين؟

بالنسبة إلى لكيانات الأعمال، يعني هذا التوجه أن التعامل مع الأصول الافتراضية لا يجب أن يُنظر إليه كقرار استثماري عادي أو كفرصة رقمية يمكن إضافتها إلى المحفظة دون تحليل رقابي وقانوني.

إن أثر الحظر يشمل ذلك مراجعة المحافظ الاستثمارية، والتحقق من عدم وجود تعرض مباشر أو غير مباشر لأصول افتراضية محظورة، وتقييم العقود أو الترتيبات التي قد تتضمن رموزاً رقمية أو أدوات مرتبطة بها، وفحص العلاقات مع مزودي خدمات خارجيين قد يتعاملون بهذه الأصول.

أما بالنسبة إلى المستثمرين، فإن الرسالة الرقابية واضحة: ليس كل ما يمكن تداوله رقمياً يصلح أن يكون أداة استثمارية منظمة. فسهولة الوصول إلى منصة تداول أو محفظة رقمية لا تعني أن الأصل يتمتع بالحماية القانونية أو الرقابية نفسها التي تتمتع بها الأوراق المالية أو الأدوات المالية المرخصة.

دور مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية

لا يقتصر أثر حظر الأصول الافتراضية على إدارات الاستثمار أو وظائف المطابقة والالتزام فقط. فمجالس الإدارة والإدارة التنفيذية مطالبة بفهم ما إذا كانت كيانات الأعمال لديها أي تعرض مباشر أو غير مباشر لهذه الأصول، سواء من خلال استثمارات، أو عقود، أو أطراف ذات علاقة، أو منصات تقنية، أو نماذج أعمال رقمية.

ويجب أن يشمل ذلك مراجعة السياسات الاستثمارية، وتحديث مصفوفة المخاطر، وتقييم الضوابط الداخلية، والتأكد من أن التقارير المالية وتقارير التقييم لا تتضمن افتراضات غير متوافقة مع الواقع الرقابي في دولة الكويت.

كما يجب أن تكون هناك آلية واضحة للتعامل مع أي أصل رقمي جديد قبل قبوله أو الاستثمار فيه أو تضمينه في تقييمات أو تقارير داخلية. فالقرارات الاستثمارية في البيئة الرقمية لا تحتاج فقط إلى شهية للمخاطر، بل تحتاج إلى انضباط رقابي وحوكمة واضحة.

ماذا يعني ذلك لمقومي الأصول؟

يمثل قرار حظر الأصول الافتراضية كأدوات استثمارية تحولاً مهماً في دور مقومي الأصول. فلم يعد المطلوب من المقوم أن ينظر فقط إلى السعر المتداول أو آخر عملية بيع أو بيانات منصة رقمية، بل أصبح عليه أن يبدأ من السؤال الرقابي والقانوني: هل هذا الأصل قابل للاعتراف به أو استخدامه كأداة استثمارية ضمن الإطار المنظم في دولة الكويت؟

وفي هذا السياق، يجب على مقومي الأصول التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة.

المستوى الأول هو تقييم الأصل الافتراضي ذاته. وهنا يواجه المقوم تحدياً جوهرياً، لأن الأصل قد لا يكون مسموحاً باستخدامه كأداة استثمارية، وقد لا تتوافر له سوق منظمة محلية، وقد يصعب الاعتماد على أسعار منصات غير خاضعة للرقابة المحلية.

المستوى الثاني هو تقييم شركة تمتلك أو تتعامل أو تنكشف على أصول افتراضية. وفي هذه الحالة، لا يقتصر التحليل على قيمة الأصل الافتراضي، بل يمتد إلى أثر الحظر على نموذج أعمال الشركة، وقابلية تحويل الأصل إلى نقد، والمخاطر القانونية، واحتمالات انخفاض القيمة، ومدى الحاجة إلى إفصاحات أو تحفظات في تقرير التقييم.

أما المستوى الثالث فهو تقييم محافظ أو صناديق أو ترتيبات استثمارية قد تتضمن تعرضاً مباشراً أو غير مباشر للأصول الافتراضية. وهنا يجب على المقوم أن يفحص ما إذا كان هذا التعرض متوافقاً مع السياسات الاستثمارية والأنظمة الرقابية، وأن يقيم أثر ذلك على القيمة، والسيولة، والمخاطر، وقابلية التسويق.

كيف تستعد كيانات الأعمال ومقومو الأصول عملياً؟

للتعامل مع هذا التوجه الرقابي، ينبغي على كيانات الأعمال ومقومي الأصول اتباع نهج عملي يبدأ بحصر أي تعرض مباشر أو غير مباشر للأصول الافتراضية، ثم تقييم مدى توافقه مع القوانين والقرارات والتعليمات الرقابية المنطبقة.

بعد ذلك، يجب مراجعة السياسات الاستثمارية والعقود والتقارير المالية وتقارير التقييم للتأكد من عدم التعامل مع الأصول الافتراضية كأدوات استثمارية مسموحة أو قابلة للتسويق دون أساس رقابي واضح.

كما ينبغي لمقومي الأصول تطوير إجراءات داخلية للتعامل مع هذه الحالات، تشمل متطلبات العناية المهنية، والتحقق من مصادر البيانات، وتقييم القيود القانونية، وتوثيق الافتراضات، وطلب الاستشارات المتخصصة عند الحاجة.

ومن المهم كذلك أن تتضمن تقارير التقييم إفصاحات واضحة عن القيود والمخاطر، حتى لا يُساء فهم السعر أو التقدير على أنه تأكيد لقابلية الاستثمار أو التداول أو الاعتراف الرقابي.

خاتمة

إن حظر هيئة أسواق المال بدولة الكويت للأصول الافتراضية كأدوات استثمارية لا يمثل موقفاً معادياً للتطور الرقمي، بل يعكس أولوية حماية السوق والمستثمرين والنظام المالي من أدوات عالية المخاطر لم تكتمل بعد عناصر الرقابة والشفافية والتقييم المرتبطة بها.

فالأسواق المالية لا تُبنى على الابتكار وحده، بل على الثقة، والإفصاح، والرقابة، وقابلية التقييم، وحماية المستثمرين. وعندما يفتقر الأصل إلى أساس قانوني واضح، أو مصدر موثوق للقيمة، أو سوق منظمة، أو ضوابط كافية لمكافحة المخاطر المالية، فإن إدخاله كأداة استثمارية قد يخلق مخاطر أكبر من الفرص التي يَعِد بها.

وبالنسبة إلى مقومي الأصول، فإن الرسالة الأساسية هي أن تقييم الأصول الافتراضية لا يبدأ من السعر، بل يبدأ من الإطار الرقابي. ولا يكفي أن يكون للأصل سعر متداول حتى يكون له قيمة قابلة للاعتماد، ولا يكفي أن توجد منصة رقمية حتى توجد سوق منظمة، ولا يكفي أن يتحقق ربح مؤقت حتى يصبح الأصل مناسباً للاستثمار المؤسسي.

لذلك، فإن الدور المهني لمقومي الأصول في المرحلة القادمة يتمثل في تقديم تقييمات أكثر انضباطاً وشفافية، تراعي ليس فقط الأرقام، بل أيضاً القابلية القانونية، والسيولة، والمخاطر، والامتثال، وجودة البيانات.

في حال الرغبة في التواصل مع السيد/ هشام سرور

يرجى الاتصال بإدارة تطوير الأعمال، هاتف: +965 1887 799 داخلي رقم: 335 وسوف نحدد لكم موعد اجتماع لمزيد من المناقشة.

يمكنك مشاركة المقال مع أخرين من خلال قنوات التواصل التالية:

راسلنا
اتصل بنا