تُعد إدارة المخاطر من الركائز الأساسية لنجاح واستدامة كيانات الأعمال، خصوصاً في بيئة تنظيمية متطورة مثل دولة الكويت، حيث تفرض الجهات الرقابية مثل بنك الكويت المركزي وهيئة أسواق المال ووحدة تنظيم التأمين متطلبات صارمة لضمان الاستقرار المالي والحوكمة الرشيدة. ومن بين المفاهيم الجوهرية في هذا المجال مفهوما نزعة المخاطر والقدرة على تحمل المخاطر، اللذان كثيراً ما يتم الخلط بينهما رغم اختلافهما الجوهري وأثرهما المباشر على اتخاذ القرارات الاستراتيجية والتشغيلية.
ما هي نزعة المخاطر؟
وفقاً للإطار المتكامل لإدارة المخاطر المؤسسية الصادر عن لجنة المنظمات الراعية للجنة تريدواي (COSO)، يتم تعريف نزعة المخاطر بأنها:
مستوى المخاطر الذي يكون كيان الأعمال مستعد لقبوله، بشكل عام، في سبيل تحقيق القيمة. ويعكس ذلك فلسفة كيان الأعمال في إدارة المخاطر، والتي بدورها تؤثر في ثقافة كيان الأعمال وأسلوبه التشغيلي. إن نزعة المخاطر تُوجّه عملية تخصيص الموارد داخل كيان الأعمال، وتُسهم في مواءمة الهيكل التنظيمي والأفراد والعمليات، عند تصميم البنية التحتية اللازمة للاستجابة للمخاطر ومراقبتها بفعالية.
أي أن نزعة المخاطر تشير إلى مستوى ونوع المخاطر التي تكون كيانات الأعمال مستعدة لقبولها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وغالباً ما يتم تحديدها من قبل مجلس الإدارة والإدارة العليا. فعلى سبيل المثال، قد يقرر كيان الأعمال أن لديه نزعة متوسطة تجاه المخاطر الاستثمارية بهدف تحقيق نمو أعلى، لكن قد تكون لديه نزعة منخفضة تجاه المخاطر التشغيلية أو القانونية.
ما هي القدرة على تحمل المخاطر؟
أما القدرة على تحمل المخاطر، فإن الإطار المتكامل لإدارة المخاطر المؤسسية يعرفها بأنها:
المستوى المقبول من الانحراف أو التباين عن تحقيق هدف محدد، وغالباً ما يتم قياسه باستخدام نفس الوحدات المستخدمة في قياس ذلك الهدف. وعند تحديد مستوى تحمّل المخاطر، تأخذ الإدارة في الاعتبار الأهمية النسبية للهدف المعني، وتعمل على مواءمة حدود تحمّل المخاطر مع نزعة المخاطر المعتمدة. كما أن الالتزام بالعمل ضمن حدود تحمّل المخاطر يساعد على ضمان بقاء كيان الأعمال ضمن نطاق نزعة المخاطر الخاصة به، وبالتالي زيادة احتمالية تحقيق أهدافه.
وفي ضوء ذلك، تشير القدرة على تحمل المخاطر إلى الحدود أو المستويات المقبولة للمخاطر التي يمكن لكيانات الأعمال التعامل معها فعلياً دون التأثير على استقرارها، وهي أكثر تحديداً وقياساً من نزعة المخاطر، حيث تُترجم إلى مؤشرات كمية مثل:
- نسب الخسائر المقبولة
- حدود الانحراف في الأداء
- مؤشرات المخاطر الرئيسية (KRIs)
ما هي الفروق الجوهرية بين نزعة المخاطر والقدرة على تحملها؟
يمكن تلخيص الفرق بين المفهومين كما يلي:
- نزعة المخاطر: توجه استراتيجي عام يحدد مستوى المخاطر المقبولة لتحقيق الأهداف.
- القدرة على تحمل المخاطر: حدود تشغيلية دقيقة تحدد متى يجب التدخل أو اتخاذ إجراءات تصحيحية.
وتعمل القدرة على تحمل المخاطر كترجمة عملية لنزعة المخاطر، حيث تقوم بتحويلها إلى حدود قابلة للقياس والمتابعة المستمرة.
ما هي أهمية هذه المفاهيم في ظل المتطلبات الرقابية بدولة الكويت؟
تولي الجهات الرقابية في الكويت أهمية كبيرة لإدارة المخاطر، حيث تستوجب على كيانات الأعمال – خاصة في القطاع المالي – ما يلي:
- وضع إطار متكامل لإدارة المخاطر يتضمن تحديد نزعة المخاطر واعتمادها من مجلس الإدارة.
- تحديد حدود واضحة للمخاطر عبر سياسات وإجراءات تعكس القدرة على تحمل المخاطر، بما يتماشى مع القوانين واللوائح.
- الالتزام بالحوكمة والشفافية من خلال الإفصاح عن سياسات إدارة المخاطر ومراقبة الالتزام بها.
- الرقابة المستمرة والتقارير الدورية لضمان عدم تجاوز الحدود المقبولة، واتخاذ إجراءات فورية عند حدوث أي انحراف.
إن هذه المتطلبات تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي، وتقليل مخاطر الامتثال الرقابي، وحماية المستثمرين وأصحاب المصلحة. كما أن الخلط بين المفهومين قد يؤدي إلى قرارات غير متوازنة أو ضعف في الرقابة، مما يزيد من تعرض كيانات الأعمال للمخاطر.
لماذا يُعد فهم الفرق مهماً لكيانات الأعمال في الكويت؟
تكمن أهمية التمييز بين نزعة المخاطر والقدرة على تحملها في عدة جوانب:
- تحسين جودة القرارات الاستراتيجية حيث يساعد تحديد نزعة المخاطر على اختيار الفرص الاستثمارية المناسبة.
- تعزيز الامتثال الرقابي من خلال الالتزام بالحدود الرقابية وتجنب العقوبات.
- رفع كفاءة إدارة الموارد عبر توجيه الاستثمارات في ضوء المخاطر المقبولة فقط.
- تقليل الخسائر غير المتوقعة من خلال وضع حدود واضحة ومؤشرات إنذار مبكر.
- تعزيز ثقة المستثمرين نتيجة وجود إطار واضح ومنضبط لإدارة المخاطر.
في بيئة الأعمال بدولة الكويت التي تتسم بتزايد المتطلبات الرقابية والتنافسية، أصبح من الضروري لكيانات الأعمال أن تميز بوضوح بين نزعة المخاطر والقدرة على تحملها. فالأولى تحدد الاتجاه الاستراتيجي، بينما الثانية تضمن الانضباط التشغيلي. إن التكامل بينهما ضمن إطار حوكمة فعال لا يساهم فقط في الامتثال لتعليمات الجهات الرقابية، بل يعزز أيضاً استدامة كيانات الأعمال وقدرتها على تحقيق النمو بثقة واستقرار.
اقرأ المزيد حول: مخاطر عدم توافر البنية المؤسسية لتقنية المعلومات في كيانات الأعمال